الجصاص

599

أحكام القرآن

ضرير شاسع الدار وليس لي قائد يلازمني أفلي رخصة أن لا آتي المسجد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا " . وفي خبر حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن شداد عن ابن أم مكتوم نحوه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أتسمع الإقامة ؟ " قال : نعم ، قال : " فأتها " . واختلفوا في عدد من تصح به الجمعة من المأمومين ، فقال أبو حنيفة وزفر ومحمد والليث : " ثلاثة سوى الإمام " . وروي عن أبي يوسف : " اثنان سوى الإمام " وبه قال الثوري . وقال الحسن بن صالح : " إن لم يحضر الإمام إلا رجل واحد فخطب عليه وصلى به أجزأهما " . وأما مالك فلم يحد فيه شيئا ، واعتبر الشافعي أربعين رجلا . قال أبو بكر : روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة ، فقدم عير فنفر الناس إليه وبقي معه اثنا عشر رجلا ، فأنزل الله تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) ، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الجمعة منذ قدم المدينة ولم يذكر رجوع القوم ، فوجب أن يكون قد صلى باثني عشر رجلا . ونقل أهل السير أن أول جمعة كانت بالمدينة صلاها مصعب بن عمير بأمر النبي صلى الله عليه وسلم باثني عشر رجلا وذلك قبل الهجرة ، فبطل بذلك اعتبار الأربعين . وأيضا الثلاثة جمع صحيح فهي كالأربعين لاتفاقهما في كونهما جمعا صحيحا ، وما دون الثلاثة مختلف في كونه جمعا صحيحا ، فوجب الاقتصار على الثلاثة وإسقاط اعتبار ما زاد . وقوله تعالى : ( وذروا البيع ) ، قال أبو بكر : اختلف السلف في وقت النهي عن البيع ، فروي عن مسروق والضحاك ومسلم بن يسار : " أن البيع يحرم بزوال الشمس " . وقال مجاهد والزهري : " يحرم بالنداء " . وقد قيل إن اعتبار الوقت في ذلك أولى ، إذ كان عليهم الحضور عند دخول الوقت ، فلا يسقط ذلك عنهم تأخير النداء . ولما لم يكن للنداء قبل الزوال معنى دل ذلك على أن النداء الذي بعد الزوال إنما هو بعد ما قد وجب إتيان الصلاة . واختلفوا في جواز البيع عند نداء الصلاة ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والشافعي : " البيع يقع مع النهي " ، وقال مالك : " البيع باطل " . قال أبو بكر : قال الله تعالى : ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) [ النساء : 29 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " وظاهره يقتضي وقوع الملك للمشتري في سائر الأوقات لوقوعه عن تراض . فإن قيل : قال الله تعالى : ( وذروا البيع ) . قيل له : نستعملهما فنقول يقع محظورا عليه عقد البيع في ذلك الوقت لقوله : ( وذروا البيع ) . ويقع الملك بحكم الآية الأخرى والخبر الذي رويناه ، وأيضا لما لم يتعلق النهي بمعنى في نفس العقد وإنما تعلق بمعنى في غيره وهو الاشتغال